أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

193

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

383 - يزلّ الغلام الخفّ عن صهواته * ويلوي بأثواب العنيف المثقّل « 1 » فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة حمزة ، أو نردّ قراءة حمزة إلى قراءة الجماعة بأن نقول : معنى أزالهما أي : صرفهما عن طاعة اللّه تعالى فأوقعهما في الزلّة لأنّ إغواءه وإيقاعه لهما في الزلّة سبب للزوال ويحتمل أن تفيد كلّ قراءة معنى مستقلا ، فقراءة الجماعة تؤذن بإيقاعهما في الزّلّة ، فيكون زلّ بمعنى استنزل ، وقراءة حمزة تؤذن بتنحيتهما عن مكانهما ، ولا بدّ من المجاز في كلتا القراءتين لأن الزّلل أصله في زلّة القدم ، فاستعمل هنا في زلّة الرأي ، والتنحية لا يقدر عليها الشيطان ، وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية . و « عنها » متعلق بالفعل قبله . ومعنى « عن » هنا السببيّة إن أعدنا الضمير على « الشجرة » أي : أوقعهما في الزّلّة بسبب الشجرة . ويجوز أن تكون على بابها من المجاوزة إن عاد الضمير على « الجنّة » ، وهو الأظهر ، لتقدّم ذكرها ، وتجيء عليه قراءة حمزة واضحة ، ولا تظهر قراءته كلّ الظهور على كون الضمير للشجرة ، قال ابن عطية : « وأمّا من قرأ « أزالهما » فإنّه يعود على الجنّة فقط » ، وقيل : الضمير للطاعة أو للحالة أو للسماء وإن لم يجر لها ذكر لدلالة السياق عليها وهذا بعيد جدا . قوله : فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ الفاء هنا واضحة السببية . وقال المهدويّ : « إذا جعل « فأزلّهما » بمعنى زلّ عن المكان كان قوله تعالى : « فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ » توكيدا ، إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر » ، وهذا الذي قاله المهدوي أشبه شيء بالتأسيس لا التأكيد ، لإفادته معنى جديدا ، قال ابن عطية : « وهنا محذوف يدلّ عليه الظاهر تقديره : فأكلا من الشجرة » ، يعني بذلك أنّ المحذوف يقدّر قبل قوله « فأزلّهما » . و مِمَّا كانا متعلّق بأخرج ، و « ما » يجوز أن تكون موصولة اسمية وأن تكون نكرة موصوفة ، أي : من المكان أو النعيم الذي كانا فيه ، أو من مكان أو نعيم كانا فيه ، فالجملة من كان واسمها وخبرها لا محلّ لها على الأول ومحلّها الجرّ على الثاني ، و « من » لابتداء الغاية . وقوله : اهْبِطُوا جملة أمرية في محلّ نصب بالفعل [ قبلها ] وقرئ : « اهبطوا » بضم الباء « 2 » وهو كثير في غير المتعدّي ، وأمّا الماضي فهبط بالفتح فقط ، وجاء في مضارعه اللغتان ، والمصدر : الهبوط بالضم ، وهو النزول . وقيل : الانتقال مطلقا . وقال المفضل « 3 » : « الهبوط : الخروج من البلد ، وهو أيضا الدخول فيها فهو من الأضداد » . والضمير في « اهبطوا » الظاهر أنه لجماعة ، فقيل : لآدم وحوّاء والجنة وإبليس ، وقيل : لهما وللجنة ، وقيل : لهما وللوسوسة ، وفيه بعد . وقيل : لبني آدم وبني إبليس ، وهذا وإن كان نقل عن مجاهد والحسن لا ينبغي أن يقال ، لأنه لم يولد لهما في الجنة بالاتفاق . وقال الزمخشري : « إنه يعود لآدم وحواء ، والمراد هما وذريتهما ، لأنهما لمّا كانا أصل الإنس ومتشعّبهم جعلا كأنهما الإنس كلّهم ، ويدلّ عليه « قال اهبطوا منها جميعا » . قوله : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ هذه جملة من مبتدأ وخبر ، وفيها قولان ، أصحّهما : أنّها في محلّ نصب على الحال أي : اهبطوا متعادين . والثاني : أنها لا محلّ لها لأنها استئناف إخبار بالعداوة . وأفرد لفظ « عدو » وإن كان المراد به جمعا لأحد وجهين : إمّا اعتبارا بلفظ « بعض » فإنه مفرد ، وإمّا لأن « عدوّا » أشبه المصادر في الوزن كالقبول

--> ( 1 ) البيت من معلقته المشهورة انظر ديوانه ( 119 ) ، شرح القصائد للتبريزي ( 116 ) ، والشنقيطي ( 66 ) ، والزوزني ( 32 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 162 ) . ( 3 ) المفضل بن محمد الضبي النحوي المقري الأديب توفي سنة 168 ، غاية النهاية ( 2 / 317 ) .